ابن العظم

45

السر المصون ذيل على كشف الظنون

واختار في المقاصد « 1 » مذهب القدماء فإنه جعل متعلّق الإذعان النسبة لا وقوعها أو لا وقوعها ، وإلا لقال : إن كان إذعانا لوقوع النسبة أو لا وقوعها . والثاني في ماهيته : ذهب الحكماء وجمهور المحققين إلى أن التصديق هو الحكم فقط وذهب الإمام الرازي : إلى أنه مجموع التصورات الثلاثة والحكم ، وقال : إن لنا تصوّرا إذا حكم عليه بنفي أو إثبات كان المجموع تصديقا ، وفرق ما بينهما كما بين البسيط والمركب ، وقد اختار في شرح المقاصد مذهب الحكماء حيث جعل التصديق نفس الإذعان والحكم دون المجموع المركب منه ومن التصورات . وقيل : الحق ما ذهب اليه الحكماء لأن المقصود من تقسيم العلم إلى التصور والتصديق ، بيان أنّ كلا منهما موصل على حدة ، وطريق يختص به ليحصل المقصود الأعظم منه ، وهو بيان الاحتياج إلى جميع أجزاء المنطق ، وهو القواعد المتعلقة بالقول الشارح الموصلة إلى التصور . والقواعد المتعلقة بالقضايا الموصلة إلى التصديق وتصوّر المحكوم عليه ، وتصور المحكوم به ، وتصور النسبة الحكمية تشارك سائر التصورات في الاستحصال بالقول الشارح . فلو قيل : التصديق عبارة عن مجموع التصورات الثلاثة والحكم لم يحصل المقصود وهو الامتياز في الطرق لأن هذا المجموع ليس له طريق خاص . وأصحّ الحدود عند المحققين من الحكماء وبعض المتكلمين هو الصورة الحاصلة من الشيء عند العقل سواء كانت تلك الصورة العلمية عين ماهية المعلوم كما في العلم الحضوري الانطباعي « 2 » أو غيرها كما في العلم الحصولي . وكانت مرتسمة في ذات العلم كما في علم النفس بالكليات أو في القوى الجسمانية كما في علم النفس بالماديات ، وسواء كانت عين ذات العالم كما في علم الباري تعالى فإنه عين ذاته المقدسة . المنكشفة بذاته على ذاته لأن مدار العلم على التجرّد فهو علم وعالم ومعلوم . والتغاير اعتباري ، وذلك أن العلم عبارة عن الحقيقة المجرّدة عن الغواشي الجسمانية وإذا كانت هذه الحقيقة مجرّدة فهو علم ، وإذا كانت هذه الحقيقة المجرّدة حاضرة لديه غير مستورة عنه فهو عالم ، وإذا كانت هذه الحقيقة المجرّدة لا تحصل إلّا به فهو معلوم . فالعبارات مختلفة وإلّا فالكل بالنسبة إلى ذاته واحدة ، هذا إذا كانت عين ذات العالم . وأما إذا كانت غير ذات العالم فكما في علمه تعالى بسلسلة الممكنات فإنها حاضرة بذاتها عنده تعالى فعلمها بها

--> ( 1 ) أي « المقاصد في علم الكلام » للسعد التفتازاني ، راجع الصفحة ( 45 ) الحاشية . ( 2 ) العلم الانطباعي هو حصول العلم بالشيء دون حصول صورته في الذهن ولذلك يسمى علما حصوليا . الجرجاني ، التعريفات ، ص 156 .